يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

274

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

الحميد ، كما يصدأ الحديد ، وجلاؤه بكثرة الذكر ودوام الحمد والشكر ، ويخرب إذا لم يعمر بما من ذلك أمكن ، كما يخرب البيت إذا لم يسكن ، فلو لم يكن في الذكر إلا طمأنينة القلب وذهاب الحزن والكرب لكان ذلك كافيا ، ومن هذه الأدواء شافيا ، فكيف وفيه من الأجر وجزيل الذخر ما يكثر عن الحد ، ويكبر عن العد . ولي من قطعة مذكورة في التكميل : كل هم يصيبني يتجلى * عن فؤادي إذا هممت بذكره أشكر اللّه وهو أهل لهذا * وله الحمد إذ هداني لشكره وبمقدار الذكر وكثرته تتضاعف الدرجات ، وتتزايد الحسنات ، ويكفي من ذلك شرفا وفضلا وعطاء وبذلا ، أنك تذكر الجليل الكبير ، فيذكرك وأنت الذليل الحقير . قال اللّه تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [ البقرة : 152 ] ولم يرض منه باليسير إنما رضي بالكثير . قال اللّه تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الأنفال : 45 ] والفلاح هو البقاء في النعيم المقيم السرمد العظيم المؤبد . وجاء عن بعض العلماء : ما أعلم في الدنيا شيئا من البيوع يستطاع شراؤه بالكلام ، ولا دستجة « * » بقل . ويستطاع شراء الجنة من رب العالمين بالكلام ، وهو ذكر اللّه ، وقراءة القرآن ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر . وقد تقدم هذا في أول الكتاب . وجاء من فضله في الحديث كثير ، وخرج مسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما يروى عن اللّه تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ، وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، وإن تقرب إليّ ذراعا تقربت منه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة . وهذا أيضا يصلح أن تدريه ، فإن له تأويلا . لا يوصف اللّه تعالى بالحركة ولا بالسكون ، ولا بالانتقال ، إنما هذه كلها ضرب أمثال تدل على قرب الإجابة ، وجزيل الإثابة . وقالوا في قوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] معناه : اذكروني بطاعتكم أذكركم بمغفرتي . وقال ثابت البناني رحمه اللّه تعالى : إني لأعلم حين يذكرني ربي . ففزعوا منه وقالوا : تعلم ذلك ؟ . قال : نعم . قيل : فكيف ؟ . قال : إذا ذكرته ذكرني .

--> ( * ) الدستجة : معرب دسته ؛ وهي : الحزمة .